على مدار 1,000 يوم، اضطُرَّت المنظومةُ الإنسانية في غزة إلى العمل وسط تدمير البنية التحتية التي تعتمد عليها. طوال الحملة العسكرية الإسرائيلية، تعرّضت المستشفيات للقصف وأُخرجت عن الخدمة، وتحوّلت المدارس إلى ملاجئ للنازحين بدلًا من أن تكون أماكن للتعلّم، وأصبحت الطرق التي كانت تربط المجتمعات خطوطَ تماسٍّ فعلية.
في أزمةٍ أودت بحياة أكثر من 70,000 شخص، جرى هدمُ الشروط الأساسية للحياة المدنية بصورة ممنهجة.
في ظل هذا الواقع، ظل حجم المساعدات الإنسانية التي تصل فعلًا إلى سكان غزة دون مستويات البقاء الدنيا، بشكل مستمر وهيكلي.
"الحرب لم تُدمِّر المباني فحسب؛ الحرب تُدمِّر مستقبل جيلٍ بأكمله."
عضو في الفريق الميداني لـ Action For Humanity، فلسطين
تحليل حركة المساعدات الإنسانية
تُشير إرشادات مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) التابع للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية إلى أنه حتى في سيناريو وقف إطلاق النار، يُعدّ دخول نحو 600 شاحنة يوميًا إلى غزة الحدَّ الأدنى المطلوب. ويشمل ذلك 350 شاحنة بضائع تجارية، و150 شاحنة تابعة للأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية الدولية، و100 شاحنة تابعة للهلال الأحمر أو المساعدات الثنائية. وهذا يعني أن معيار الـ150 شاحنة إنسانية لا ينبغي اعتباره هدفًا للتعافي أو الحياة الطبيعية، بل هو الحد الأدنى من المساعدات الإنسانية المطلوبة في هذه الأزمة.
حلّلت Action For Humanity حركةَ الشاحنات الإنسانية الداخلة إلى غزة على مدار 1,000 يوم (من 8 أكتوبر 2023 حتى 3 يوليو 2026)، استنادًا إلى تقارير أوتشا وبيانات آلية الأمم المتحدة 2720 — وهي منظومة أممية تُنسِّق شحنات المساعدات الإنسانية الداخلة إلى غزة وتتحقق منها وتتتبعها وتُيسِّر تخليصها، بهدف تعزيز الشفافية وتحديد الأولويات وإيصال المساعدات إلى المدنيين. وفي وقت إجراء التحليل، وبسبب وتيرة إصدار البيانات، غطّت السجلات المتاحة للعموم 995 يومًا من أصل 1,000، مع آخر تحديث بتاريخ 28 يونيو 2026.
خلال هذه الفترة، دخل غزة بمعدل 76 شاحنة مساعدات إنسانية يوميًا، أي ما يُعادل نحو نصف الحد الأدنى المعياري البالغ 150 شاحنة. وفي 87% من الأيام (869 يومًا)، جاءت كميات المساعدات دون هذا الحد. وكانت الأيام التي لم تدخل فيها أي مساعدات أكثر من الأيام التي بلغت فيها المساعدات الحد الأدنى المطلوب.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الأرقام تقيس الشاحنات عند دخولها إلى غزة، لا ما إذا كانت المساعدات وصلت في نهاية المطاف إلى العائلات. إذ تعني التأخيرات والبنية التحتية المتضررة وقيود الحركة والعوائق التشغيلية أن كمية المساعدات التي تصل إلى المدنيين كثيرًا ما تكون أقل بكثير مما تُشير إليه أرقام الدخول وحدها.
"حين نتحدث عن ألف يوم من الحرب، فنحن نتحدث عن أزمة عطشٍ وتلوّث — وكل هذا لا يَرحَم."
عضو في الفريق الميداني لـ Action For Humanity، فلسطين
منظومة تحت ضغطٍ هائل
يعاني ما لا يقل عن 1.6 مليون شخص (77% من السكان) من مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، فيما شهدت محافظة غزة مجاعةً امتدت خمسة أشهر منذ أغسطس 2025. وانخفض إنتاج المياه في غزة انخفاضًا حادًا ليبلغ نحو 40% من مستويات ما قبل أكتوبر 2023، مما يُتيح نحو ستة لترات فقط للشخص يوميًا — وهو رقم لا يقل فقط عن الحد الأدنى الموصى به من منظمة الصحة العالمية البالغ 15 لترًا للشخص يوميًا، بل يقل أيضًا عن عتبة البقاء المطلقة المحددة بـ7.5 لترات للشخص يوميًا في خطط الطوارئ.
يعيش ما يقارب مليون شخص في خيام، فيما تعيش 52,000 عائلة أخرى في ملاجئ مكتظة، ويَبيت آلاف غيرهم في العراء. وفي يونيو 2026، كان ما يُقدَّر بـ850,000 شخص يفتقرون إلى مواد الإيواء الطارئة الأساسية. كما تدهور النظام الصحي تدهورًا حادًا، إذ لم يتبق سوى نحو 2,000 سرير مستشفى في الخدمة مقارنةً بـ3,500 قبل النزاع، ولا يعمل حتى بصورة جزئية سوى أقل من نصف المستشفيات.
مجتمعةً، لا تُمثّل هذه الأوضاع قطاعات إنسانية منفصلة في أزمة، بل تمثّل منظومة واحدة تعاني انهيارًا متواصلًا، حيث يُفضي عدم القدرة على تقديم مساعدات كافية باستمرار مباشرةً إلى حرمان جماعي في كل احتياج أساسي.
ما الذي يجب أن يحدث الآن
بموجب القانون الدولي الإنساني، يُعدّ وصول المساعدات الإنسانية التزامًا قانونيًا ومتطلبًا تشغيليًا أساسيًا لحماية المدنيين. غير أن التقييد المستمر لتدفق المساعدات، مقرونًا بالتدمير الواسع للبنية التحتية، أفضى إلى وضع لا تستطيع فيه الجهات الإنسانية تلبية الحد الأدنى من احتياجات البقاء على النطاق المطلوب.
ما تشتد الحاجة إليه الآن هو أن تُقدِم إسرائيل فورًا على رفع القيود التي تحول دون وصول المساعدات الإنسانية إلى المدنيين بالحجم المطلوب، إلى جانب زيادة مستدامة في المساعدات الإنسانية من المانحين والمجتمع الدولي الأوسع.
يجب أن تُولي هذه الخطوات مجتمعةً الأولويةَ لدخول المساعدات باستمرار وعلى نطاق واسع، وتوزيعها بأمان وموثوقية داخل غزة، واستعادة الأوضاع التي تُمكِّن المدنيين من الحصول على الغذاء والمياه والدواء والمأوى عبر منظومات فاعلة، لا من خلال الإغاثة الطارئة وحدها.