20 دقيقة من خط المواجهة في لبنان
إنعام مالك، مدير العمل الخيري والأسواق الناشئة في Action For Humanity
عدتُ للتو من زيارتي الأخيرة إلى لبنان، وأريد أن أشارككم كيف تبدو الحياة هناك فعلاً في هذه اللحظة. ليس من خلال الإحصاءات. ولا العناوين. بل كما يشعر بها من يكون هناك.
يتركز معظم عملنا في صيدا، في الجنوب، على بُعد نحو 20 دقيقة من خط المواجهة. وحتى من تلك المسافة، لا يبدو النزاع بعيداً أبداً. لا تزال الغارات الجوية تستهدف مناطق قريبة، وأصبح صوت الطائرات المسيّرة في السماء جزءاً من الحياة اليومية. قد تصدر تحذيرات، لكن التحذير لا يجلب الأمان. إنه يمنح الناس فقط بضع لحظات ليقرروا ما الذي سيفعلونه بعد ذلك.
ومع أعمق توغل داخل الأراضي اللبنانية منذ 26 عاماً على الأقل، يُجبر الناس حالياً على مغادرة نحو 20% من الأراضي. يُطلب منهم التوجه شمالاً؛ وهو الأمر نفسه الذي قيل لهم طوال عامين. قد يبدو هذا رقماً صغيراً إلى أن تدرك مدى صِغر مساحة البلاد. النزوح ظاهر في كل مكان. لا يمكنك السير في شارع دون أن ترى عائلات فقدت كل شيء. كثير من الملاجئ هي مدارس، أصبحت الآن مكتظة بما يفوق طاقتها بكثير. والهياكل الإنسانية ببساطة غير قادرة على مواكبة الاحتياجات.
في زيارات سابقة، اختبرتُ بنفسي مدى قرب الخطر حقاً. فقد أصابت غارة جوية مكاناً يبعد أقل من 100 متر عني، في الشارع نفسه الذي كنت أقيم فيه. دُمّر مبنى سكني كامل. قُتل سبعة أشخاص وأُصيب كثيرون آخرون. قراءة مثل هذه الحوادث على الإنترنت شيء، أما الوقوف هناك بعدها، ورؤية الدمار بعينيك، والحديث مع أشخاص تغيّرت حياتهم في لحظة، فذلك تجربة مختلفة تماماً.
ومؤخراً أكثر، خلال الأسبوع الماضي، اشتدت الغارات الجوية بشكل كبير على مدى عدة أيام متتالية. إن حالة عدم اليقين التي يخلقها ذلك للعائلات هائلة. فالناس لا يعرفون إن كانوا سيتمكنون من العودة إلى منازلهم، أو ما إذا كانت أحياؤهم ستبقى آمنة، أو ما الذي سيحمله الغد.
لا يزال النزوح أحد أكبر التحديات التي تواجه لبنان اليوم. فقد تحولت المدارس إلى ملاجئ طارئة، وكثير منها مكتظ بالكامل. الفصول الدراسية التي صُممت ليتعلم فيها الأطفال أصبحت مساكن مؤقتة لعائلات بأكملها. الفرش تغطي الأرضيات. والخصوصية شبه معدومة. تعيش العائلات يوماً بيوم، وسط غموض بشأن موعد العودة إلى المنزل أو ما الذي قد تجده حين تعود.
هناك أمر علق في ذهني: حتى عندما كنت جالساً في المنزل مساءً، والمكيف يعمل بأقصى طاقته والتلفاز بصوت مرتفع، كنت لا أزال أسمع الطنين الرتيب للطائرات المسيّرة. إنها مستمرة. حتى في المناطق التي لا تسقط فيها القنابل، تظل هناك. تراقب. تطنّ. تذكّر الجميع بأنهم ليسوا آمنين.
ومع ذلك، ورغم كل شيء، فإن أكثر ما يبرز ليس الخوف، بل الصمود.
رأيت جيراناً يتقاسمون الطعام مع بعضهم البعض رغم أنهم لا يملكون إلا القليل. والتقيت عائلات فقدت كل شيء تقريباً، ومع ذلك لا تزال ترحب بالآخرين في أماكنها المؤقتة. وشهدت مجتمعات تتكاتف لدعم بعضها البعض بطرق متواضعة وملهمة في الوقت نفسه. الناس مصممون على مواصلة الحياة. مصممون على حماية أطفالهم والبحث عن الاستقرار، حتى في أصعب الظروف.
تعمل Action For Humanity على الأرض لتقديم ما نستطيع من دعم لذلك الصمود. أصبح مخبزنا ومطبخنا المجتمعي في صيدا شريان حياة للعائلات النازحة التي تلجأ إلى المدارس والمساكن المؤقتة. كل يوم، يتم إعداد الخبز الطازج والوجبات الساخنة وتوزيعها على من لا يجدون مكاناً آخر يلجؤون إليه. وتواصل سيارات الإسعاف والفرق الطبية المتنقلة التابعة لنا الاستجابة للحالات الطارئة والوصول إلى العائلات الضعيفة التي تكافح للحصول على الرعاية الصحية.
كل يوم، يحضر زملائي وأصدقائي لأداء ما عليهم القيام به. لكن الأمر لا يتعلق بنا فقط. إنه يتعلق بالعائلات التي تطهو معاً في مطابخ مؤقتة. وبالمتطوعين الذين يساعدون الجيران على نقل ممتلكاتهم قبل وقوع غارة. وبالأطباء الذين يعملون بلا كهرباء. وبالآباء والأمهات الذين يحاولون تهدئة أطفالهم بينما يطنّ صوت الطائرات المسيّرة فوقهم.
كثيراً ما يسألني الناس: كيف يبدو لبنان الآن؟
أقول لهم إنه مُنهك. وأقول لهم إنه مفجع. وأقول لهم إنه غير متوقع. لكنني أقول لهم أيضاً إنني لم أشهد صموداً كهذا من قبل. أقول لهم إن العمل مرهق، لكن علينا أن نقوم به، لأن 1.2 مليون شخص قد نزحوا، ومئات الآلاف منهم لا يعرفون أين سيضعون رؤوسهم الليلة أو من أين سيحصلون على وجبتهم التالية.
خلف كل عنوان، هناك عائلة تبحث عن الأمان. وخلف كل إحصائية، هناك أم تحاول إطعام أطفالها. وخلف كل غارة جوية، هناك مجتمع يحاول إعادة البناء ومواصلة الحياة.
قد يسمع العالم عن لبنان، لكن معظم الناس لا يسمعون الطنين المستمر للطائرات المسيّرة في السماء. لم يروا الملاجئ المكتظة، والخوف، وعدم اليقين، أو الشجاعة التي يظهرها أناس عاديون كل يوم في مواجهة ظروف استثنائية.
أنا رأيت ذلك.
وكذلك زملائي الذين يواصلون الخدمة على الأرض كل يوم.
ما زلنا هنا. وما زلنا نعمل. وبدعمكم، سنواصل الوقوف إلى جانب العائلات التي هي في أمسّ الحاجة إلينا.
Share Article