سوريا بعد عام:
أمة تعود، ومستقبل يُعاد بناؤه. بقلم عثمان مقبل
قبل عام، في 8 ديسمبر 2024، دخلت سوريا مرحلة جديدة في رحلتها الطويلة والمؤلمة. فقد شكّل ذلك التاريخ بداية انتقال سياسي، ورغم هشاشته وعدم اكتماله، فقد أتاح للملايين أن يأملوا من جديد، وأن يتخيلوا حياة تتجاوز سنوات عدم اليقين التي أعادت تشكيل كل منزل، وكل عائلة، وكل مؤسسة.
واليوم، ونحن نحيي الذكرى الأولى، تقف سوريا عند مفترق طرق لا تحدده أعمال العنف التي شهدها الأمس، بل النضال من أجل إعادة بناء الغد.
في Action For Humanity، المعروفة سابقًا باسم Syria Relief، عملنا على الأرض في سوريا منذ عام 2011. وقد دعمنا المجتمعات خلال الحصار، والنزوح، وتفشي الأمراض، والجوع، والكوارث، والآن خلال الخطوات الأولى الحذرة نحو التعافي. ويستند تقريرنا الصادر حديثًا، بعنوان Returning to Hope: Needs and Challenges in Syria, One Year After the Transition، إلى خبرتنا التشغيلية لفهم ما تعنيه هذه اللحظة حقًا للسوريين، وإلى أين يجب أن يتجه اهتمام العالم بعد ذلك.
عام حدّدته العودة
لم يتسم هذا العام الماضي بتقدم خطوط الجبهات، بل بتقدم الخطوات: فقد عاد أكثر من مليون شخص إلى مجتمعاتهم منذ بدء الانتقال. هؤلاء العائدون هم آباء وأمهات يعيدون فتح منازل متضررة، ومزارعون يستعيدون حقولهم، ومعلمون يعودون إلى الفصول الدراسية، وأطفال يختبرون المدرسة للمرة الأولى.
لكن العودة وحدها لا تعني التعافي. فالبنية التحتية التي كانت تسند سوريا، أي شبكات المياه، والمستشفيات، والمدارس، وشبكات الكهرباء، تعمل الآن بنصف قدرتها السابقة. والخدمات العامة مثقلة بما يفوق حدودها بكثير. وغالبًا ما تصل العائلات لتجد منازلها متضررة، وشوارعها ملوثة بمخلفات الحرب القابلة للانفجار، وأسواقها المحلية تكافح.
وربما يكون هذا هو أهم استنتاج في بحثنا: فالاحتياجات الإنسانية اليوم لا تتشكل فقط بفعل آثار النزاع، بل أيضًا بفعل الحجم والسرعة الكبيرين لعودة الناس إلى بيئات تفتقر إلى الموارد. تمضي سوريا إلى الأمام، لكن بسرعة تفوق قدرة الأنظمة التي تدعمها.
أمة بين الركام والإمكانات
يسلط تقريرنا الضوء على ثلاثة تحديات رئيسية:
الأول هو الانهيار الاقتصادي. يعيش أكثر من 90% من السوريين تحت خط الفقر. يكافح الآباء والأمهات لتأمين الغذاء والدواء. ولا تكفي رواتب القطاع العام لتغطية تكلفة الأساسيات. وهذه الهشاشة تمس كل جانب من جوانب الحياة.
الثاني هو التلوث بالذخائر المتفجرة. فوجود أكثر من 650 حادثة هذا العام وحده، وللأسف شملت كثيرًا من الأطفال، يوضح كيف تمنع الألغام ومخلفات الحرب غير المنفجرة إعادة الإعمار الآمنة، وتعيق الزراعة، وتقوّض فكرة العودة الآمنة.
الثالث هو الخدمات المثقلة فوق طاقتها. فلم تواكب شبكات المياه والصرف الصحي، والمرافق التعليمية، والأنظمة الصحية وتيرة عودة السكان. ورغم الجهود الهائلة التي تبذلها السلطات والمجتمعات، لا يزال التمويل والقدرات غير كافيين.
قد تقود هذه الحقائق بسهولة إلى اليأس. لكن سوريا تتحدد بعزيمتها بقدر ما تتحدد بدمارها.
عندما أزور مشاريعنا في حلب أو إدلب أو حمص أو دمشق، لا أسمع استسلامًا. أسمع إصرارًا. لا تنتظر العائلات العالم ليعيد بناء مجتمعاتها؛ بل ترمم منازلها، وتعيد فتح الحقول، وتتقاسم مواردها المحدودة. ويواصل الأطفال الذهاب إلى المدرسة، غالبًا في مبانٍ متضررة، لأن التعلم، حتى لو كان متقطعًا، هو شكل من أشكال الكرامة.
رحلة مشيناها معًا
بالنسبة إلى Action For Humanity، تحمل هذه الذكرى طابعًا شخصيًا عميقًا. بدأنا باسم Syria Relief في عام 2011، على يد سوريين ومن أبناء الجالية السورية شعروا بواجب خدمة شعبهم عندما كان الوصول محدودًا واليأس يتصاعد. ومن المساعدات الغذائية والطبية الطارئة إلى التعليم، وإعادة الإعمار، ودعم سبل العيش، تطور عملنا جنبًا إلى جنب مع مسار البلاد - من الاستجابة للأزمة إلى التعافي المبكر.
في العام الماضي، أعدنا تأهيل أنظمة مياه أعادت الوصول الآمن إلى الآلاف، ودرّبنا 1,600 معلم، وقدمنا أكثر من 130,000 استشارة صحية، ودعمنا المزارعين بمدخلات زراعية، وساعدنا مجتمعات العائدين على تحقيق الاستقرار. لكننا لا نعتبر هذه الإنجازات لنا وحدنا. فهي تعود إلى المجتمعات السورية، وإلى موظفينا المحليين، وإلى العائلات التي تواصل البناء حتى عندما يتجه اهتمام العالم إلى مكان آخر.
ما تتطلبه هذه اللحظة
بعد عام من الانتقال في سوريا، لم يعد السؤال ما إذا كان السوريون مستعدين لإعادة البناء — فهم قد بدأوا ذلك بالفعل. السؤال هو ما إذا كان المجتمع الدولي سيمكّن هذا الجهد من النجاح.
يدعو تقريرنا إلى خمس أولويات عاجلة:
· يجب تسريع إزالة الذخائر المتفجرة؛ فمن دون أرض آمنة، لا تعافٍ.
· يجب توسيع الاستثمار في الخدمات الأساسية، أي المياه والكهرباء والرعاية الصحية والمدارس.
· يجب دعم سبل العيش وتعافي الأسواق حتى يتمكن الناس من الاعتماد على الدخل، لا على المساعدات.
· هناك حاجة إلى تمويل طويل الأمد ومرونة في العقوبات لإطلاق عمل المستشفيات، والبنية التحتية، وتقديم الخدمات.
· يجب تمكين المنظمات المحلية، لأن التعافي يحدث الأقرب إلى المجتمعات.
هذه ليست نقاطًا سياسية مجردة - إنها الفارق بين أمل هش واستقرار دائم.
مستقبل يستحق البناء
بصفتنا منظمة إنسانية متجذرة في سوريا، نحمل امتياز القرب ومسؤوليته. نرى الصعوبات التي يواجهها السوريون - لكننا نرى أيضًا صمودهم. تذكّرنا هذه الذكرى بأن السوريين تحملوا الأسوأ، وهم يعملون من أجل الأفضل.
سوريا لم تنتهِ. وشعبها لم ينكسر. ومستقبلها ليس محددًا مسبقًا.
ما سيحدث بعد ذلك يعتمد على الشراكة - على الاستثمار في الناس، وفي الأنظمة، وفي السلامة؛ وعلى الاعتراف بأن التعافي لا يمكن أن يتحقق بميزانيات طارئة ومساعدات مجزأة؛ وعلى فهم أن الكرامة، والفرص، والاستقرار تحتاج إلى وقت لتنمو.
بعد عام، تقف سوريا بين الدمار والتجدد. وقد اختار شعبها بالفعل التجدد. وعلى العالم الآن أن يختار الوقوف إلى جانبه.